خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني في الجلسة العامة للاجتماع الثالث والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة

خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني في الجلسة العامة للاجتماع الثالث والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة

الولايات المتحدة الأميركيةنيويورك
25 أيلول/سبتمبر 2018
(مترجم عن الإنجليزية)

خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني في الجلسة الافتتاحية للدورة 73 للجمعية العامة للأمم المتحدة

بسم الله الرحمن الرحيم

السيدة الرئيسة،
السيد الأمين العام،
الحضور الكرام،

شكراً لكم، ويشرفني أن أشارك مجدداً في هذه الجلسة للجمعية العامة الموقرة.

ولدت منظمة الأمم المتحدة من رماد الحرب العالمية الثانية ودمارها، في مسعى صادق لحماية الأجيال القادمة من المعاناة والدمار والحرمان. واليوم، ما تزال هذه الآمال تواجه عدة تحديات صعبة، إذ يتعرض السلام والاستقرار للتهديد في كل مناطق العالم. وما يزال الكثيرون محرومين من وعد الازدهار. كما أن خطر الإرهاب العالمي ما زال يهدد أمن جميع الدول. وفي هذه القاعة وعبر هذا المنبر وصفت خطر الإرهاب بحرب عالمية ثالثة.

أصدقائي، 
إن هذه التحديات لا تقلل من أهمية العمل المشترك والاحترام المتبادل، بل إنها تجعل شراكتنا أكثر أهمية. وإلا، ما هو البديل؟ أهو عالم يفتقر للسلام والوئام الذي ننشده لنعمل ولنبني الشراكات ونفتح معا آفاقاً للمزيد من الفرص؟ أم هو عالم تُترك فيه الأزمات دون حلِّ فتتعاظم، وينتشر العنف، ونشهد المزيد من فرار اللاجئين خوفا على حياتهم؟ وكل ذلك لأننا لم نستطع العمل معاً لنمنح الجميع الشعور بالأمان والفرصة لتحقيق الازدهار؟

لا شك أن الطريق أمامنا طويلة لتوفير الفرص والأمل على مستوى العالم. ولكننا لا نملك ترف الاستسلام لمجرد أن المهمة صعبة؛ فعندما نتّحد لخدمة قضايانا المشتركة، فإن الفائدة ستعود على جميع بلداننا. ويتوجب علي أن أتحدث في هذا الشأن اليوم بسبب أهمية العمل المشترك في إنهاء الأزمات الخطيرة التي تواجهها منطقتي، وخاصة أزمتها المركزية، وهي الحرمان الممتد عبر السنين للشعب الفلسطيني من حقه في إقامة دولته.

إن جميع قرارات الأمم المتحدة التي صدرت منذ بداية هذه القضية، جميعها دون استثناء سواء الصادرة عن الجمعية العامة أو مجلس الأمن، تقر بحق الشعب الفلسطيني، كباقي الشعوب، بمستقبل يعمه السلام والكرامة والأمل. وهذا هو جوهر حل الدولتين، الذي يشكل السبيل الوحيد لسلام شامل ودائم.

إن حل الدولتين، وفقاً للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، هو الوحيد الذي يلبي احتياجات الطرفين بإنهاء الصراع وإقامة دولة فلسطينية مستقلة، ذات سيادة وقابلة للحياة على خطوط عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وبأن تنعم إسرائيل بالأمن وتنخرط بشكل كامل مع محيطها، وتتمتع باعتراف الدول العربية والإسلامية حول العالم.

إن الدول العربية والإسلامية ملتزمة بالسلام الشامل، ومبادرة السلام العربية طرحت منذ أكثر من 16 عاماً. وقد عملت كل الدول الكبرى في العالم، بالإضافة إلى الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، من أجل مساعدة الطرفين على الوصول إلى سلام راسخ وقابل للاستمرار. ولطالما كانت الإدارة الأمريكية ملتزمة بالسلام ولها دور قيادي فيما نحققه من تقدم ونحن نمضي إلى الأمام. 

لا شك أن الطريق أمامنا طويلة، ولكن لا يمكننا الاستسلام لمجرد أن المهمة صعبة. وإلا، فما البديل؟ هل نملك ترف ترك إحدى أهم المناطق الاستراتيجية في العالم رهينة حلقة عنف لا تنتهي؟ وإلى متى ستظل القدس، وهي المدينة المقدسة لأكثر من نصف سكان العالم، تواجه مخاطر تهدد تراثها وهويتها الراسخة والقائمة على تعدد الأديان؟ وكيف لنا أن نقبل بوضعٍ قائم مبني على الأزمات والتعصب؟ فهناك أسر فلسطينية، عانت التهجير لعدة أجيال، يواجه أطفالها اليوم تهديد إنكار هويتهم. وهناك أسر إسرائيلية تعيش بعزلة مستمرة دون أن تنعم بالأمن المتأتي من العلاقات السلمية مع باقي العالم.

وما هو المستقبل الذي سيترتب على ما يقترحه البعض؟ أهو دولة واحدة ثنائية القومية تقوم في جوهرها على أساس إنكار المساواة بين مواطنيها؟ هذه هي الحقيقة البشعة وغير الديمقراطية لفكرة الدولة الواحدة. وهي ليست، بأي حال من الأحوال، بديلاً عن السلام القائم على حل الدولتين. بل إنها تمثل تخليا عن السلام، وهي طريقة جديدة للهروب من العمل لتحقيق التسوية. إنها تمثل نقيض ما يحتاجه الطرفان وما سعيا من أجله منذ زمن طويل. 

أصدقائي، 
لا توجد اتفاقية تبرم بشكل أحادي. إن إنجاز أي اتفاق يتطلب وجود طرفين؛ ومساعدتهما على التوصل إلى هذا الاتفاق، والعمل معاً لبناء مستقبل جديد هي مَهمة تستحق الدعم المستمر من عالمنا بأسره. 

على بلداننا أن تعمل معاً لإعادة عملية السلام إلى مسارها الصحيح. وذلك يتطلب الرفض التام لأي أعمال تهدد المفاوضات، من ممارسات غير قانونية، أو مصادرة للأراضي، أو تهديد الأمن المعيشي للأبرياء، خاصة الأطفال.

كما ويجب أن ندعم التمويل الكامل لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" وغيرها من الجهود الحيوية لحماية الأسر المحتاجة، والحفاظ على استقرار المجتمعات، وتنشئة جيل منتج من الشباب، حيث سنواجه خطأً فادحا إذا ترك الشباب فريسة لتأثير قوى التطرف واليأس. لذا، فإن هذا الدعم ضروري وملح وعاجل لضمان استمرار "الأونروا" بدورها، وفقاً لتكليفها الأممي.

وفوق كل ذلك، علينا الحفاظ على تراث القدس والسلام فيها، تلك المدينة المقدسة للمليارات من شعوب العالم. وإن الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس واجب يفخر الأردن بحمله، وسنتصدى لأي محاولات لتغيير الهوية التاريخية العربية الإسلامية والمسيحية للمدينة المقدسة.

ولكن مستقبل القدس ليس شأناً أردنياً فقط، بل هو شأن دولي يهمكم أيضاً. فتهديد حرية العبادة وتقويض القانون الدولي له تداعيات على مستوى العالم. 

أصدقائي،
إن العمل المشترك ضروري أيضاَ لحل النزاعات والأزمات الأخرى التي تهدد عالمنا. ولذلك، فإن الأردن سيستمر بدعم جميع الجهود متعددة الأطراف لمساعدة سوريا على الوصول إلى حل سياسي مستند إلى مسار جنيف، وقرار مجلس الأمن رقم 2254 للحفاظ على وحدة سوريا وسيادتها وسلامة أراضيها، وتهيئة الظروف المناسبة للاستقرار وإعادة البناء.

كما أن العمل المشترك والمستمر مطلوب للتصدي بشكل فعال للإرهاب. ولنكن بمنتهى الوضوح في هذا الشأن: على الرغم من الانتصارات التي حققناها، إلا أن الحرب ضد هؤلاء الخوارج لم تنته بعد. فالنصر الكامل في هذه الحرب يتطلب نهجاً شمولياً بعيد المدى يجمع بين الإجراءات الأمنية والمبادرات الفاعلة والتي تنشر الأمل والإحساس بين الجميع بأنهم شركاء، وعلينا أن نتصدى بحزم لجميع الأفكار التي تروج للكراهية دون استثناء، في الواقع وعبر فضاء الإنترنت، بما فيها الإسلاموفوبيا (الخوف من الإسلام). ولطالما قاد الأردنيون جهود توحيد العالم على أساس الاحترام المتبادل والتفاهم المشترك.

وأخيراً، علينا أيضاً أن نكثف استجابتنا المشتركة لأزمة اللاجئين العالمية. فكما يعلم الكثير منكم، يستمر الأردن بتحمل عبء هائل يفوق طاقته باستضافته للاجئين. فقد فتح الأردنيون بيوتهم ومدارسهم ومستشفياتهم للاجئين، وهم يستفيدون من خدماتنا العامة، وشاركناهم مواردنا المحدودة من غذاء وطاقة ومياه شحيحة نحن في أمس الحاجة إليها. ولقد حدّت هذه الأزمة من نمو اقتصادنا وفرص العمل التي يحتاجها شبابنا بشكل كبير، والذين يشكلون 60 بالمائة من سكاننا.

لقد تحمل الأردنيون عبء استضافة اللاجئين، مستندين في ذلك إلى إرث بلادنا العريق وتقاليده في التراحم والإنسانية. ولكننا نعلم كما يعلم العالم أجمع بأن هذه الأزمة مسؤولية دولية، ولا يمكن للتضحيات التي نقدمها نحن وغيرنا من الدول المستضيفة بشكل يومي أن تستمر، إلا إذا اضطلعت الدول المانحة بمسؤولياتها في هذه الشراكة. وهذا يتطلب جهوداً مستمرة على عدة مسارات في دعم التنمية والمساعدات الإنسانية، وهي جهود تهدف إلى تمكين اللاجئين من العودة وإعادة بناء بلدانهم، كما تمنح الأمل لشعوب الدول المستضيفة الذين ضحوا بالكثير.

أصدقائي،
لا يمكن للعالم أن يتعامل مع أزمة اللاجئين أو مع أي أزمة عالمية أخرى دون أن نعمل معاً لدعم من يقومون بما هو صحيح في سبيل مستقبلنا المشترك.

إن تحقيق السلام والازدهار يتطلب العمل المشترك والمستمر. وإلا، فإننا نكون قد فشلنا في تحمل المسؤوليات التي رسمها تاريخنا، وفشلنا أيضاً في تحقيق وعد المستقبل.

دعونا، إذاً، نختار النجاح. دعونا إذاً نمنح شعوب العالم، خاصة الشباب منهم، الثقة في العدالة الدولية، والأمل بفرص جديدة، وفي قانون دولي واتفاقيات ومؤسسات يعتمد عليها.

شكراً لكم