خطاب جلالة الملك امام المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس

خطاب جلالة الملك امام المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس

سويسرادافوس
26 كانون الثاني/يناير 2007

بسم الله الرحمن الرحيم،

شكراً لك شارلي. إنه من دواعي سروري أن أكون معكم. فهذه هي السنة الخامسة التي نحظى فيها، رانيا وأنا، بحضور هذا الاجتماع في دافوس. وهو حضور يظل على الدوام تجربة فريدة بالنسبة لنا. ويشرفنا أن نكون معكم ثانية.

أصدقائي،

نجتمع هنا في لحظة تاريخية لمنطقتي والعالم. فبعد حوالي سبعين عاماً من النزاع العربي - الإسرائيلي، وحوالي أربعين عاماً من احتلال الأراضي الفلسطينية، هناك اهتمام عالمي وإرادة فاعلة جديدة لإنهاء هذا الصراع المدمّر الذي طال امده. وهي فرصة نادرة لإحداث التغيير... ولتنظيم الالتزام والموارد العالمية وضَبْطهما، والمساعدة في خلق ديناميكية جديدة من الأمل في الشرق الأوسط.

ونحن لا نستطيع تحمّل الآثار المترتبة على إضاعة هذه الفرصة. فالإنكار المستمر للحقوق الفلسطينية شرارة تؤجج نار الأزمات الدولية والإقليمية؛ هذه الأزمات التي تتزايد بتواتر أكبر، وتحمل معها دمارا اشد. إن شبكة المنتدى للمخاطر العالمية تقر بوجود هذه المخاطر، وتحدد عدم الاستقرار في الشرق الأوسط على أنه "خطر عالمي جوهري".

علينا أن ننهض للعمل. وجميعنا لديهم ما يسهمون به. فالقادة المتميزون الذين يجتمعون هنا، يحملون معهم رؤى ثاقبة، وأدوات، واستراتيجيات من القطاعات الأكثر أهمية في العالم. وعلى مدى السنين، بنت هذه المنتديات جسوراً لا نظير لها للتفاهم والتقدّم. والتحدّي الآن، هو أن نمضي بهذا العمل قُدُماً نحو النجاح. والأولويات التي نحددها يجب أن تؤدي إلى عمل؛ عمل يساعد على خلق سلام مستدام مُعزّز ذاتياً.

وهو يبدأ بتوقعات جديدة - رؤية لما سيكون عليه الشرق الأوسط خلال عشر سنوات.

وهي رؤية لحياة عادية يتمكن الناس فيها من الخروج للتسوّق أو العمل دون خوف... وحيث لا تتوقف سيارات الإسعاف عند نقاط التفتيش وهي تنقل المرضى إلى المستشفيات... وحيث يتمكن الشباب من بناء أسرهم والتخطيط لحياة مهنية طويلة... وحيث يتمكن طلاب الصف الأول عام 2017، من الإسرائيليين والفلسطينيين، من أن يستعيدوا، عندما يبلغون سن الرشد، ذكرياتهم وقد خلت من الإشارة إلى سنوات النزاع. إن التاريخ ببيّن أن الشعوب التي تشعر بالمرارة لما لحق بها من مظالم يمكن أن تجد وسيلة للتصالح والمضيّ قُدُماً في حياتها. وهذا يمكن أن يحدث في الشرق الأوسط.

إنها رؤية اقتصاد ممتد إقليميا، تذهب طاقاته وموارده لإحداث نمو إنتاجي، لا نزاعٍ يؤدي إلى الهدر... حيث تعمل الشراكات عبر الحدود والمصالح المشتركة على خلق تعاملات نشطه ... وحيث تؤدي الاستثمارات الذكية في الأجيال الشابّة إلى توسيع إمكانية الوصول إلى الفرص المتاحة. ويبيّن التاريخ أن السلام والسياسات التقدّمية يمكن أن تخلق معجزات اقتصادية في المناطق النامية. وهذا يمكن أن يحدث في الشرق الأوسط.

إنها رؤية تعيش فيها اسرائيل بسلام مع الجوار، وتشكّل جزءًا منه . ويُظهر التاريخ أن الذين ظلوّا أعداء لمدة طويلة يمكن أن يحدّدوا فيما بينهم علاقات جديدة قوامها السلام والتعاون الإقليمي. وهذا يمكن أن يحدث في الشرق الأوسط.

وهي ايضا رؤية تتمتع فيها فلسطين بالسيادة،عبر دولة قابلة للحياة، تنعم بالخيرات، وينخرط أهلها في خلق مستقبل قوامه الازدهار والتقدّم. وعلى مدى التاريخ، كان هذا ما تَعِدُ به العدالة العالمية ولا ترضى بأقلَّ منه. وهذا يمكن أن يحدث، ويجب أن يحدث، في الشرق الأوسط.

إن بناء مثل هذا المستقبل يتطلّب الشجاعة والالتزام. وقد أبدت الدول العربية هذه الشجاعة وذلك الالتزام عام 2002، عندما اجتمعت على مبادرة السلام العربية. وهذه المبادرة التي تُعدّ نقطة تحول قدّمت مُقترحات جريئة لإحلال سلام مستدام: دولتان، تعيشان جنباً إلى جنب... وضمانات أمنية لإسرائيل من جميع الدول العربية.... وانسحاب إسرائيلي من المناطق العربية المحتلة منذ عام 1967... وفلسطين ذات سيادة، قابلة للحياة، مستقلة.... وتسوية شاملة وحل دائم.

لقد حان الوقت للاستفادة من هذه الفرصة التي لم يسبق لها مثيل والتي تمثّلها هذه المبادرة. وللجمهور الإسرائيلي، دعوني أقول: إن مبادرة السلام العربية حقيقية. اعملوا معنا. فالعُزلة والعمل الأحادي الجانب لا يمكن أن يؤديا إلى تحقيق المستقبل الإيجابي الذي تريدونه وتحتاجونه أنتم وجيرانكم.

وللشعب الفلسطيني، أقول: لقد عانيتم بما فيه الكفاية. ومبادرة السلام العربية يمكن أن تفي بوعدها: استقلال دائم، وأمن، ومشاركة في الفرص المتاحة في القرن الحادي والعشرين.

وللمجتمع الدولي، وخاصة أعضاء اللجنة الرباعية، أقول: إن لكم دورٌ ومسؤوليةٌ تاريخية بأن تقفوا وراء السلام. وإن تصميمكم على تحقيق نتائج ملموسة سيكون أساسياًً للنجاح - وسيوجه رسالة عالمية حول قيمكم وقيادتكم.

ولكم جميعاً هنا، أقول: لا يمكن أن تُترك الأمور للحكومات وحدها. فأحد الأجزاء الهامة للسلام الذي لا رجعة فيه هو وضع الأساسات للتعايش المشترك. وغالبية الناس في كلا الجانبين تريد السلام - وسيخاطرون بالتحرّك إلى الأمام إذا ما تكوّنت لديهم الثقة بأن العملية ستؤتي ثمارها. وهذا يعني نتائج ملموسة، في أسرع وقت ممكن دون تأخير. وليس هناك مَن يقوم بهذا بصورة أفضل من أصحاب الإنجازات في هذه القاعة. فهناك حاجة مُلِحّة لمنشآت الأعمال الإقليمية والعالمية، والمنظمات غير الحكومية، والهيئات المدنية الأخرى- كشركاء في المشاريع، ومُيَسّرين لانسيابها، وممولين، ومستثمرين... وأصحاب رؤى.

إن هناك فرصاً في كل قطاع: شراكات عبر الحدود تعطي الجانبين حصةً في المستقبل الذي يظلله السلام.... ومبادرات تنموية وتعليمية ينخرط فيها الشباب... واستثمارات في النمو الاقتصادي والفرص المتاحة... ومشاريع اتصالات توفر حواراً جديداً.... وتبادلات مهنية تجمع ما بين الخبراء للعمل في الاهتمامات المشتركة مثل مجالات الصحة، والمياه، والبيئة... وتَشارُك في المعلومات بين الهيئات المدنية العاملة في الإغاثة الإنسانية، والخدمات المقدّمة للأطفال، وما شابه ذلك... والكثير غيرها.

إن العديد من هذه المجالات تشتمل على تلك الآلية الفعالة إلى درجة كبيرة والتي تتمثل في الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وهي ما كنّا في الأردن من أوائل الرّواد المستفيدين منها. وأنا أعرف أن عدداً منكم يعمل فعلاً في أنشطة تتصل بالمجالات التي سمّيتها. ولكنني أعتقد أن بإمكاننا مضاعفة تأثيرنا مراتٍ عدة.

سيستضيف الأردن، في أيار/ مايو القادم، اجتماعاً للمنتدى الاقتصادي العالمي، يجمع ما بين القادة العالميين والإقليميين على شواطئ البحر الميت. وهي المرة الرابعة التي نستضيف فيها هذا الحوار المُؤثر على مستقبل منطقتنا. وفي هذا المفصل الحرج، اقترحت أن يركّز اجتماع هذا العام بصورة حصرية على بناء أسس السلام. نريد من قادة العالم الرئيسيين أن يأتوا إلى قلب وادي الأردن... وأن يقدموا دعمهم للمفكرين وأصحاب الإنجازات المبدعين في المنطقة... وأن يستكشفوا الإمكانيات... ويصمموا الاستراتيجيات... ويحشدوا الموارد... ويحققوا النتائج. وأوجّه الدعوة إلى كل واحد منكم، للانضمام إلينا في هذا المشروع البالغ الأهمية.

أصدقائي،

إن التحديات حقيقية بالتأكيد. لكن، ولأن المخاطر عظيمة، علينا أن ننتهز كل فرصة متاحة لإحداث فرق. ففي السنوات القادمة، يواجه الشرق الأوسط مُتطلبات رئيسية للتنمية. فالشباب يشكّلون أكثر من خمسين بالمائة من عدد السكان لدينا، وهم يأتون من سن التوقعات والآمال الكبيرة حول توافر الفرص لهم، وحول الأمن، والاحترام. والوسائل اللازمة لتحقيق ذلك موجودة. فنحن أغنياء في المواهب البشرية وفيما لدينا من موروث يحترم التعليم والثقافة. وهناك امكانات اقتصادية واعدة في قطاعات مثل تكنولوجيا المعلومات، والسياحة، وغيرها... وفي زيادة التعاون الإقليمي الاقتصادي... وفي القيادات الشابة الديناميكية الملتزمة بالمستقبل. وأنا فخور بصورة خاصة بكل ما قام به الأردنيون لتحقيق التنمية والإصلاح . فمثل هذه المبادرات كانت تشكّل أولوية للأردن على مدى السنوات الثمانية الماضية؛ ونحن نحقق النجاح.

وكل هذا يمكن أن يمنحنا ثقة عظيمة لمستقبل الشرق الأوسط. وهذا أساسي بالنسبة لمجمل النظام العالمي الذي تقوم فيه منطقتنا بدور استراتيجي. ولكن المنطقة لا يمكنها المضيّ قُدُماً بجرحٍ لم يلتئم. فلا بدَّ أن يكون هناك سلام.

أصدقائي،

إن موضوع هذا الاجتماع السنوي هو تغير معادلة القوى. ولكن الأحداث والتغيّرات التي تشكّل العالم ليست مجرد تحدّيات، إنها خيارات. فلدينا السلطة لتحويل المعادلات - سواء أكانت سلاماً وحرباً، أم فقراً وازدهاراً - من خلال ما نقوم به معاً، لنتفهّم وننهض إلى العمل.

وليس الوقت الآن مناسباً لعزل الأفكار الجيدة. كما لا يمكننا قبول الجدران بين مختلف الشعوب والديانات. وهنا في دافوس، وفي أيار/ مايو في البحر الميت، يمكننا أن نعيد تصوّر المستقبل... ومن ثمَّ المساعدة في تحقيق تلك الرؤية.

إن هذا التحرّك حقيقي. وأحثكم على أن تكونوا جزءًا منه، كي نحقق وعد هذا القرن لأولئك الذين يحتاجونه بصورة كبيرة مُلحّة، وكي نعمل على إيجاد مستقبل لهم، ولنا.

وأشكركم جزيل الشكر.