مقابلة جلالة الملك عبدالله الثاني مع مجلة الوسط اللندنية

أجرى المقابلة: 
جورج سمعان
For: 
مجلة الوسط اللندنية
14 تشرين الثاني/نوفمبر 1999

تعلم الملك عبدالله الثاني من والده الراحل الملك حسين درسين اكدت التجارب الطويلة والمريرة صحتهما.. الاول هو ان سلامة الاردن تبدأ بسلامة العلاقة بين الملك والمواطن العادي.. وهي الضمانة لنزع فتيل الازمات.. والثاني ان الدول الصغيرة المقيمة على خطوط تماس قابلة للاشتعال تدافع عن نفسها بنسج شبكة واسعة من الصداقات واحيانا بالعثور على دور اقليمي ودولي يفوق حجمها وقدراتها.. وبعد تسعة اشهر على توليه الملك قطع الملك عبدالله الثاني شوطا كبيرا في تأكيد الدرسين. ففي موازاة ذهابه المباشر الى المواطن وهمومه واهتمامه بترسيخ التجربة الديمقراطية يتحرك الملك الشاب لصيانة ارث الصداقات في العالم ولفتح صفحات جديدة مع العواصم التي شابت الصداقة معها جروح او خدوش .

لم تكن مهمة ملك الاردن سهلة يوما .. فالسلام المبرم مع اسرائيل ينذر بالانتكاس ما لم يخيم السلام الشامل على كل المسارات. ومفاوضات الوضع النهائي بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية تعني الاردن ليس فقط من زاوية اللاجئين بل ايضا من زاوية ما يمكن ان يطرحه قيام الدولة الفلسطينية ومستقبل العلاقة بينها وبين الاردن ومستقبل العلاقات داخل العائلة الاردنية حيث تتشابك المصالح والمصائر الفلسطينية والاردنية .

ولا يغيب الهم العراقي عن اذهان المسؤولين الاردنيين? ليس فقط بسبب العراقيين المنتشرين في بعض شوارع عمان بل لان اي مفاجأة في بغداد تعني الاردن قبل غيره.

في مجلس النواب ورئاسة الوزراء ووزارة الخارجية كما في الحلقات التي لا تغيب عنها الانتقادات يشعر الزائر ان البلد خرج من صدمة غياب الملك حسين وان المؤسسات تعمل لمواجهة التحديات المطروحة.

وجاءت الازمه مع حماس، لترسخ الاعتقاد بان الاردنيين تعلموا من التجارب وان المؤسسات قادرة على صيانة الاستقرار بقوة القانون.

اسئلة كثيرة حملتها "الوسط" الى العاهل الاردني وهو كشف.. للمرة الاولى.. عن موعد الاشارة الاولى التي تلقاها من والده وافادت بانه سيكون الملك المقبل للاردن? وكان ذلك في تشرين الاول/ اكتوبر، 1998 خلال وجود الملك حسين في امريكا للعلاج .

في موضوع، حماس، اكد الملك عبدالله الثاني ان لاعودة ابدا الى الوضع كما كان سابقا، مشيرا الى ان القضية تسير الان في اتجاه التسوية النهائية. وقال ان العلاقة مع السلطة الفلسطينية هي علاقة/ شراكة وتكامل، لافتا الى ان موضوع الكونفدرالية يمكن ان يبحث بعد قيام الدولة الفلسطينية. واشار الى ان الاردن معني بمفاوضات الوضع النهائي خصوصا من زاوية مشكلة اللاجئين.

ودعا الى استئناف المفاوضات على المسارين السوري واللبناني من حيث توقفت. واكد متانة الصفحة الجديدة في العلاقات السورية الاردنية مشيدا بالدكتور بشار الاسد " الذي تعلم من والده الكثير من الحكمة وبعد النظر والاستعداد لخدمة شعبه وامته" وقال ان مصر هي، الشقيقة الكبرى التي لا ينكر احد عليها دورها او ينافسها عليه. وهنا نص الحوار ..

الوسط: متى عرفتم من الملك حسين - رحمه الله - انكم الملك المقبل للاردن؟

جلالة الملك: في تشرين الاول، اكتوبر/ 1998 ابلغني جلالة المغفور له والدي قائلا: "اريدك يا عبدالله ان تلعب دورا مهما لانني مرتاح تماما الى ادائك خصوصا انك عملت منذ البداية من دون اسناد مني" كانت تلك الاشارة الاولى منه ..وحين شاهدته في، واي، بعد ايام عرفت ان تغييرا سيحصل لكن لم اعرف كيف.. حاول بعضهم ان يفاتحني بالموضوع لكنني امتنعت عن الخوض فيه وقلت ان اي كلام في هذا الامر يأتي من الملك وحده.

عندما توقف المغفور له في لندن اتيا من اميركا قال لي: "يجب ان نعثر على بضع ساعات لابحث معك موضوعا مهما"، لم نتمكن من العثور على هذا الوقت بسبب زيارات الاصدقاء والمحبين فأبلغته انني يجب ان ارجع الى عمان.. حين وصل الى عمان سلم علي بصورة سريعة وكانت تلك اشارة جديدة.. مررت عليه لاحقا فقال لي: "انا مريض وللاسف هناك تراجع في صحتي واريدك ان تتسلم المهمة". الحقيقة انني تبلغت رسميا حين صدور الكتاب وامتنعت قبله عن الدخول في هذا الموضوع.. فقد كان القلق على صحة والدي هو الموضوع الاول الذي يشغل تفكيري.

الوسط: الم تكن تتوقع خلال توليك مناصبك العسكرية ان تكون ملكا ذات يوم؟

جلالة الملك: طوال حياتي تعلمت من والدي التركيز على خدمة البلد .. كنت مشغولا بالواجب الذي اوكله الي . .مسؤولياتي العسكرية وقربي من الملك ضاعفت من شعوري بضرورة القيام بالمهمة على افضل وجه.. وزودتني بخبرة مفيدة وهنا اقول صادقا.. انني لم احلم ان اصير ملكا ..كان شعورنا الدائم هو ان الوالد باق معنا وكنت احلم ان يشهد ذات يوم تخرج ابني من الكلية العسكرية.. ثم انني لااحبذ الاحلام والتطلع الى المواقع الاخرى واعتبر ان على المرء ان ينجح قبل كل شيء في الموقع الذي يشغله.

الوسط: ماذا كان شعوركم لحظة تبلغكم بالمسؤولية الجديدة؟

جلالة الملك: شعوران تلازما لدي في تلك الساعة . .حجم المسؤولية وما يرتبه علي الواجب.. والشعور الاخر القلق الذي تضاعف لدي على صحة الوالد فقد كنت مطلعا على تدهور احواله الصحية.

الوسط: ماذا يعني ان يكون المرء ملكا وماهي خصوصية ان يكون ملكا في الاردن؟

جلالة الملك: ان تكون ملكا فهذا يعني انك امام مسؤوليات وتحديات كبيرة.. ابسط صور هذه المسؤولية هو الشعور بأن شعبك هو اسرتك وانك مسؤول عن جميع شؤون هذا الشعب تماما مثلما انت مسؤول عن اسرتك الصغيرة، زوجتك وابنائك.. كنت مسؤولا عن اسرتي التي لا يزيد عدد افرادها عن اربعة افراد ..وانا اليوم مسؤول عن اسرة عدد افرادها اكثر من اربعة ملايين.

الوسط: توليتم الحكم قبل تسعة اشهر وفي ظل تعاطف داخلي واقليمي ودولي مع الاردن وملكه الجديد، كيف تقيمون هذه الفترة؟

جلالة الملك: الظروف التي مررنا بها لم تكن سهلة ابدا ..فقد كان رحيل الحسين طيب الله ثراه.. صدمة كبيرة لنا وللعالم من حولنا ولكن عندما رأينا العالم كله يقف الى جانبنا ويشارك الأردنيين احزانهم بهذا المصاب الكبير..

ورأينا القادة من الاشقاء العرب والاصدقاء من الدول الاجنبية يحضرون الى الاردن للمشاركة في تشييع الراحل الكبير ..ويعربون عن وقوفهم الى جانبنا، ادركنا كم كان الحسين عظيما.. وكم هي كبيرة المسؤولية والواجب الذي ينبغي ان ننهض به.. وقد ترك لنا الراحل الكبير مساحة هائلة ننطلق من خلالها لاتمام المسيرة التي بدأها رحمه الله.. والاهم من ذلك كله هذا الالتفاف الشعبي الاردني الذي عبر عنه الاردنيون من مختلف اصولهم ومنابتهم والذي اكد لي كم كان هذا الشعب عظيما وصلبا.. كما عرف عنه في المواقف الصعبة وهذه العزيمة التي استمددتها من ارادة الشعب الاردني جعلتني مطمئنا الى المستقبل والى تطلعي لاتمام مسيرة الراحل الكبير.

ولقد كان لوقفة الاشقاء العرب الى جانبنا ومبادراتهم الاخوية الصادقة تجاه الاردن اثر قوي عزز قناعاتنا وايماننا الراسخ بانتماء هذا البلد الى امته العربية اولا واخيرا .. وكانت قيادة هذا البلد وستظل بعون الله تؤمن ان علاقة الاردن بأشقائه العرب هي الاساس ولن تتقدم اي علاقة له مع اي دولة على علاقاته بأمته العربية.

الوسط: اظهرت الشهور الماضية حرصكم على اقامة علاقة مباشرة مع المواطن الاردني العادي والاطلاع على همومه اليومية كيف تنظرون الى هذه العلاقة؟

جلالة الملك: علاقة الشعب الاردني مع قيادته علاقة حميمة ومتميزة ولم تكن ابدا علاقة حاكم بمحكوم.. ولذا فقد وجدت نفسي منذ اليوم الاول الذي تحملت فيه امانة المسؤولية الاولى في الاردن ابنا لهذا الشعب وقريبا منه ومن همومه وتطلعاته .. وعلى هذا الاساس اردت ان المس عن قرب الهموم اليومية للمواطن الاردني من خلال بعض الزيارات المفاجئة للمؤسسات التي لها صلة بالتعامل مع المواطنين مباشرة .. ورايت عن كثب كيف يعيش المواطن الاردني وكيف تتعامل المؤسسات الحكومية معه وبحمد الله كان اثر هذه الزيارات ايجابيا ..فقد بادرت بعض المؤسسات التي لمست فيها بعض التقصير او الخلل الى اصلاحه والى التعامل مع المواطنين بكل شفافية وبعيدا عن البيروقراطية ..وقبل ذلك خدمت ضابطا في الجيش وعشت بين الجنود في معسكراتهم وقد عرفت من خلال هذه التجربة التفاصيل الدقيقة لحياة الجندي والمواطن العادي ومستوى هذه الحياة .

الوسط: في ضوء هذه التجربة ماهي اولوياتكم الداخلية اليوم؟

جلالة الملك: الحقيقة لقد تركت لدي هذه التجربة هامشا كبيرا لدراسة مواقع الخلل كافة وطرحها امام المسؤولين في الحكومة والدوائر المعنية لتصحيح الخلل والبدء بتعديل العديد من القوانين والتشريعات والتخلص تدريجيا من البيروقراطية والترهل الاداري وهي تعيق حركة تقدم المجتمع والنمو الاقتصادي الذي وضعناه على رأس اولوياتنا الوطنية .

الوسط: في اول جولة خارجية لكم كنتم تأملون في شطب مليارين من اصل 7 مليارات هي حجم الديون الخارجية المترتبة على بلدكم كيف ترون الوضع اليوم .. وهل حصلتم على مساعدات عربية؟

جلالة الملك: لم تكن الجولة التي قمنا بها الى الدول الشقيقة والصديقة لمجرد شطب الديون عن الاردن وحسب بل كانت في الاساس للالتقاء بقادة هذه الدول والابقاء على صلات الصداقة والتعاون التي ارسى دعائمها الحسين رحمه الله.. ولذلك فقد لمست تفهما كبيرا لدى قادة الدول الذين التقيتهم لطبيعة القضايا التي طرحتها سواء القضايا التي تتعلق بالشأن الاردني او تلك التي تتعلق بالمنطقة بشكل عام كعملية السلام وقضية التنمية .. ومن بين هذه القضايا اعباء الديون المترتبة على الاردن ..وقد اسفرت زياراتي للدول العربية وبشكل خاص دول الخليج العربي عن نتائج ايجابية وبخاصة في مجال معالجة البطالة والعمالة الاردنية وقيام تعاون بناء في مجال الاستثمار والتبادل التجاري ..وفي مجال المياه كان تجاوب الاشقاء في سورية وليبيا ودولة الامارات العربية المتحدة تجاوبا مثمرا حيث طرحنا امامهم مشكلة المياه في الاردن وقدم الاخوة السوريون ما يقارب ثمانية ملايين متر مكعب من المياه وعرضت ليبيا والامارات تقديم المساعدة في انجاز مشاريع مائية ومصادر مياه جديدة.

اما بالنسبة الى قضية اعباء الديون فقد كان هناك تجاوب من قبل نادي باريس لجدولة الديون الاردنية ..كما كان هناك تفهم من قبل الدول السبع الصناعية لقضية هذه الديون التي طرحت خلال القمة التي عقدت في كولون .. وان لم يكن هذا التجاوب انيا وعلى قدر امالنا فان طموحاتنا ما زالت قوية لابداء تجاوب اكبر مع الاردن الذي قدم واعطى الشيء الكثير من اجل السلام والاستقرار ليس على صعيد المنطقة وحسب بل على صعيد العالم ايضا .

الوسط: دعوتم الشعب الاردني الى الصبر حتى نهاية العام في انتظار تحسن الاوضاع الاقتصادية.. هل هناك مؤشرات الى تحسن؟

جلالة الملك: اعتماد الاردن اولا و اخيرا سيكون على قدرات شعبه وعطائه اللامحدود.. ونعتقد باننا بدانا نحث الخطى نحو الاعتماد على قدراتنا الذاتية وامكانات شعبنا الكبيرة.. وبالفعل العمل جار الان على تعديل التشريعات والقوانين لتتواءم مع انفتاحنا على العالم وازالة جميع القيود التي تحول دون دخول الاستثمارات العربية والاجنبية الى الاردن.. وقد بدانا بالسير باقتصادنا نحو الخصخصة وقمنا بالفعل بخصخصة بعض المؤسسات وشهد هذا العام توقيع العديد من الاتفاقات مع شركات عالمية للاستثمار في قطاعات الاسمنت والفوسفات والاتصالات والنقل.. التحسن الاقتصادي لاياتي بين ليلة وضحاها فلا بد اولا من ايجاد المناخ الملائم لتحفيز الاستثمارات وتوطينها في الاردن.. وان لم تكن نسبة النمو الاقتصادي الان ضمن المعدلات المعقولة فاننا نامل ان تشهد السنوات المقبلة نموا مطردا ينسجم مع تطلعاتنا نحو الاعتماد على الذات والانطلاق بالاقتصاد الاردني نحو افاق عالمية ارحب.. ثقتنا بالمستقبل وفي قدرة شعبنا على تجاوز الصعاب التي يمر بها ثقة كبيرة.. ونامل من خلال مايوفره تحقيق السلام الشامل في المنطقة من مناخ الامن والاستقرار ان نؤسس البنية التحتية المرتبطة بحاجات الناس وتطلعاتهم نحو المستقبل الواعد الذي يطمحون اليه.

الوسط: تجري الحكومة حوارا حول قانون الانتخاب بهدف تحسين نظام الصوت الواحد ما هو السقف الذي يمكن للحكومة ان تتحرك تحته؟

جلالة الملك: قانون الانتخاب الحالي لم يكن سيئا بالصورة التي يطرحها بعضهم ورغم ذلك راينا ان نتحاور في كل القضايا الخلافية لايجاد الطريقة المناسبة التي يتوافق عليها راي الناس وتجد قبولا من جميع الوان الطيف السياسي.. والامر الان مطروح امام الحكومة والبرلمان والاطياف السياسية المختلفة لايجاد الصيغة المناسبة التي تحقق العدالة وتنسجم مع نهج الديموقراطية والتعددية السياسية الذي اختطه الاردن.

الوسط: الجدل حول قانون الصحافة دائم في الاردن كيف ترون هذه المسالة في عهدكم؟

جلالة الملك: لقد انتهينا من وضع قانون مطبوعات عصري وحديث يتواءم مع توجه الاردن الديمقراطي وحماية الحريات الصحافية وتعدد الاراء والانفتاح الاعلامي بدون قيود او معوقات.. وقد شاركت الاسرة الصحافية في الاردن في وضع مسودة هذا القانون فالصحافة المحلية تكتب ما تشاء وفي اي قضية كانت بدون قيود او حواجز.. ولاقيود عندنا او رقابة على الصحف التي تصدر في العالم وتدخل الى الاردن.

الوسط: الم يكن امام الاردن صيغة اكثر هدوءا في التعامل مع، حماس وهل طلب من، حماس المغادرة قبل الاجراءات وماذا كان الجواب؟

جلالة الملك: قضية، حماس في الاردن اخذت بعدا اعلاميا وسياسيا اكثر من اللازم.. وقد يكون هذا عائد للحرية الصحافية التي يتمتع بها الاردن، او للطريقة التي تعاملت بها وسائل الاعلام في الخارج مع هذه القضية، نحن نحترم الاخوة في حركة، حماس ونقدر نضالهم كحركة تحرير فلسطينية.. مدير المكتب السياسي لحركة، حماس مواطن اردني، ينتمي الى تنظيم غير اردني، واي تنظيم سياسي او حزب اذا اراد ان يعمل داخل الاردن، لا بد له من ترخيص او موافقة من السلطات الاردنية، حتى لو كان اردنيا، فما بالك اذا كان هذا التنظيم غير اردني، وببساطه، الحكومة الاردنية قامت بواجبها واستخدمت حقها المشروع في التعامل مع هذه القضية... ولكن الاخوة في حماس اصروا على موقفهم، فكان لا بد من اتخاذ هذا الاجراء لحماية امن الاردن اولا، وللحفاظ على مصالحنا الوطنية ومصالح اشقائنا.. وعلى اية حال، فالقضية الان باتجاه التسوية النهائية.

الوسط: هل راهنتم في هذه المسألة على تفهم الاخوان، وما هو الحل امام مطالبة، حماس بحق العمل الاعلامي والسياسي على الاراضي الاردنية في ظل اعلانكم ان لاعودة لفتح مكاتب حماس؟

جلالة الملك: الحكومة لم تطرح هذا الامر على، الاخوان لكن – الاخوان - طرحوا جهود الوساطة في هذه القضية، وقبلت الحكومة ذلك من منطلق رغبتها بحل هذه القضية بالحوار والتفاهم، لم نكن نراهن على احد، والمسألة مسألة مبدأ واحترام لقوانيننا والتزاماتنا، ومراعاة مصلحتنا الوطنية وامننا واستقرارنا. ولا عودة ابدا للوضع كما كان سابقا، وكما ذكرت فالقضية الان تتجه نحو الحل المناسب الذي يحقق الاهداف والمصالح الاردنية.

الوسط: قلتم ان للاردن مصلحة في مفاوضات المرحلة النهائية، ما هي تلك المصلحة، وهل انتم شركاء تفاوض ام توقيع؟

جلالة الملك: كما تعرف، الاردن يستضيف اكبر عدد من اللاجئين الفلسطينيين، وقد نصت قرارات الشرعية الدولية على حقهم في العودة والتعويض، وقد تحمل الاردن الكثير نتيجة لوجود هذا العدد الكبير من اللاجئين على ارضه، ولذلك لا بد ان يكون لنا دور عند بحث هذه المسألة.

ايضا، هناك مسألة المياه، وهي مسألة لا يمكن التعامل معها الا من منظور اقليمي اوسع، ايضا هناك موضوع المقدسات.

الوسط: كيف تنظرون الى منع الوفد النيابي الاردني من دخول الحرم الابراهيمي في الخليل؟

جلالة الملك: لقد فوجئت بهذا الامر، وشعرت بالاستياء لحصوله، وقدمت الحكومة احتجاجا رسميا على هذا التصرف الذي قام به المستوطنون الاسرائيليون، والذي لا ينسجم مع المواثيق والتقاليد الدولية، ويفتقر الى ادنى حد من الشعور بالمسؤولية او حتى اللياقة والاعراف، وقد قدمت الحكومة الاسرائيلية اعتذارها عن هذا التصرف، ونأمل بعدم تكرار مثل هذه الاحداث التي تعيق تقدم مسيرة السلام، وتزعزع الثقة فيها.

الوسط: كيف يمكن المواءمة بين اردنية اللاجىء الفلسطيني في الأردن وحقه في العودة الى فلسطين؟

جلالة الملك: اللاجئون الفلسطينيون في الاردن هم مواطنون اردنيون وقد كفلت لهم المواثيق الدولية حق العودة والتعويض ..ولا ارى ان هناك اي تعارض بين مواطنتهم وحقهم في العودة الى وطنهم الذي شردوا منه وهذه الجنسية والمواطنة الاردنية التي منحها لهم الاردن لن تحرمهم من هذا الحق ابدأ وهم الان اردنيون لهم حقوق تتوازن مع الواجبات الملقاة على عاتقهم.

الوسط: قلتم ان الكونفدرالية ليست واردة في قاموسكم الان ماهي الشروط لقيامها او البحث فيها؟

جلالة الملك: الكونفدرالية تقوم عادة بين دولتين مستقلتين وتجرى على اساس الاختيار الحر بين الشعبين ..وعلى ذلك.. بعد ان تقوم الدولة الفلسطينية المستقلة يصبح بامكان الشعبين الاردني والفلسطيني ان يتفقا بكامل الحرية على اية صيغة وحدوية تلبي طموحاتهما .

الوسط: ما الهدف من الاعلان الاردني عن التخلي عن رعاية الاماكن المقدسة في القدس لمصلحة السلطة الفلسطينية؟

جلالة الملك: لقد كان هدفنا من هذا الاعلان بالدرجة الاولى هو ترك المجال امام الاشقاء الفلسطينيين للتحرك بحرية خصوصا وهم على مشارف الدخول في مرحلة المفاوضات النهائية.. ونحن نعرف انهم الاقرب الان الى الواقع الذي تمر به الاماكن المقدسة والى الرؤية المناسبة لتحديد مستقبل هذه الاماكن بحكم وجودهم على الاراضي هناك .

لقد كانت الاماكن المقدسة وديعة لدى الهاشميين حافظوا عليها ومكنوا عباد الله من الوصول اليها بكل حرية وامان ..والان نحن نضع امكاناتنا وطاقاتنا في تصرف الاشقاء الفلسطينيين ونساندهم للوصول الى حقوقهم كاملة.. ولا تنس ان هذه المقدسات تقع على ارض القدس والقدس مدينة فلسطينية ينطبق عليها ما ينطبق على سائر الاراضي الفلسطينية .

الوسط: كيف ترون العلاقة مع السلطة الفلسطينية؟

جلالة الملك: العلاقة مع السلطة الفلسطينية علاقة شراكة وتكامل في كل ما يتعلق بهموم وتطلعات الشعبين الشقيقين الاردني والفلسطيني.. ونحن كما ذكرت لك ندعم الاشقاء الفلسطينيين بقيادة الاخ الرئيس ياسر عرفات بكل طاقاتنا وامكاناتنا حتى ينالوا حقوقهم المشروعة واقامة دولتهم المستقلة على ترابهم الوطني الفلسطيني وعاصمتها القدس الشريف ..ونرى ان القضية الفلسطينية هي لب الصراع في المنطقة ولاسلام من دون حل هذه القضية حلا جوهريا وعادلا .

ومن هذا المنطلق فانني ادعو جميع الاشقاء العرب للوقوف الى جانب هذا الشعب الصامد المكافح لاننا لانستطيع ان نتركه وحيدا في هذه المرحلة الدقيقة التي يمر بها من دون ان نقدم له الاسناد والدعم اللازمين.

الوسط: بذلتم جهودا من اجل استئناف المفاوضات على المسارين السوري واللبناني ما هي العقبات؟

جلالة الملك: الارادة السورية و اللبنانية بالسعي نحو تحقيق السلام العادل الذي يعيد الارض كل الارض في مقابل السلام لمستها من خلال لقائي بقادة هاتين الدولتين الشقيقتين ..كما لمست تجاوبا لدى الاسرائيليين بانهم يريدون استئناف المفاوضات على المسارين السوري واللبناني ..وامل ان تلتقي الارادتان للوصول الى مخرج ملائم لانهاء كل القضايا العالقة والبدء باستئناف المفاوضات من النقطة التي توقفت عندها.. واعتقد بان الامر يحتاج الى جهود مضاعفة من قبل الولايات المتحدة والاطراف الدولية الاخرى المعنية لتقريب وجهات النظر واستئناف المفاوضات على هذين المسارين المتلازمين اللذين لايمكن الفصل بينهما.

الوسط: قبل شهور بدت العلاقات الاردنية السورية دافئة وقوية فهل لا تزال محتفظة بهذا الدفء وكيف تصفون علاقتكم بالرئيس حافظ الاسد والدكتور بشار الاسد؟

جلالة الملك: العلاقات مع الشقيقة سورية عادت الى افضل مما كانت عليه سابقا وتمكنا من خلال اللقاءات التي اجريت مع فخامة الرئيس حافظ الاسد من حل جميع الاشكالات العابرة التي كانت تعكر صفو علاقات الاخوة المتميزة ..نحن والسوريون نلتقي عند جوامع كثيرة والعلاقة الان في نمو واطراد على مختلف الصعد والميادين وهذا هو الوضع الطبيعي ..اما اخي الدكتور بشار فهو مثال للنشاط والحماس والتطلع للمستقبل بعقلية منفتحه واستشراف للمستقبل وارى فيه مثالا للشاب العربي الذي يحمل هموم امته وتطلعات شعبه لقد تعلم من والده الكثير من الحكمة وبعد النظر والاستعداد لخدمة شعبه وامته.

الوسط: تردد ان ظلا من التنافس على دور في عملية السلام يخيم على العلاقات المصرية الاردنية فهل هذا صحيح؟

جلالة الملك: الاردن ومصر يشتركان في التطلعات والامال نحو تحقيق السلام الشامل والعادل والدائم وبزوغ فجر جديد يسود فيه الامن والاستقرار والرخاء لشعوب المنطقة عامة ..واذا كان هناك دور للاردن في عملية السلام فهو دور مكمل للدور الذي بداه الاشقاء المصريون الذين كان لهم الدور المركزي والرئيسي في بناء السلام الذي نشهده الان.. ومصر هي الشقيقة الكبرى التي لاينكر احد عليها دورها او ينافسها عليه ..وقد التقيت باخي سيادة الرئيس محمد حسني مبارك اكثر من مرة وذلك للتنسيق والتشاور حول مساعينا المشتركة نحو تحقيق اهداف السلام وغاياته النبيلة ..ولمست لديه الحرص الشديد على التنسيق والتشاور في كل القضايا التي تتعلق بعملية السلام والوضع العربي بشكل عام.

الوسط: التقيتم رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود باراك، كيف رأيتم نهجه في موضوع السلام ودرجة استعداده للتقدم نحو السلام الشامل؟

جلالة الملك: حين ظهرت نتائج الانتخابات الاسرائيلية.. وفاز السيد باراك برئاسة الحكومة الاسرائيلية، قلنا انذاك ان نتائج هذه الانتخابات كانت استفتاء على رغبة الشعب الاسرائيلي بالتوجه نحو السلام، والتقيت رئيس الوزراء الاسرائيلي ولمست لديه رغبة حقيقية في الوصول الى السلام. وتجاوز العقبات التي كانت حكومة نتنياهو قد وضعتها في طريق استئناف عملية السلام.. وانني اعتقد ان الفرصة المواتية الان لتحقيق السلام فرصة تاريخية لا بد من الامساك بها.. وان تطبيق الاتفاقيات المبرمة التي شهدناها خلال الاسابيع الماضية يدعونا الى التفاؤل، ومساعدة الاطراف المعنية على تحقيق المزيد من التقدم باتجاه السلام .

الوسط: كان الملف العراقي حاضرا في محادثاتكم الاخيرة مع الرئيس بيل كلينتون واحاط الغموض بقصة الرسالة العراقية. هل يمكن ايضاح ذلك.. وكيف تنظرون الى الوضع الحالي في العراق وسبل الخروج منه؟

جلالة الملك: معاناة الشعب العراقي، والحصار المفروض عليه كانت حاضرة في وجدان الشعب الاردني وضميره، ونرى انه لا بد لهذه المأساة التي يمر بها هذا الشعب العربي من نهاية، ولكن مسألة العراق اصبحت مسألة دولية، لا يستطيع الاردن او غيره من الاقطار العربية الخروج بحل ينهي معاناة هذا الشعب ويعيد العراق الى محيطه ووضعه الطبيعي في المنطقة.

لم احمل رسالة عراقية محددة خلال لقائي بالرئيس كلينتون? ولكن كما ذكرت كان الهم العراقي موجودا دائما، والخروج من هذا المأزق يتطلب جهدا عراقيا ودوليا يتيح للشعب العراقي الخروج من هذه المحنة.

الوسط: ما هي الانطباعات التي تركتها لديكم زيارتكم للبنان؟

جلالة الملك: زيارتي الاولى للبنان كانت في 1964 وكنت صغيرا ولم تستغرق سوى ساعات.. وكنت اتشوق دائما الى زيارة هذا البلد الشقيق، كانت الزيارة ممتازة على كل الصعد ونحن نكن لهذا البلد الشقيق مشاعر الاخوة والحب.

الوسط: لوحظ ان علاقاتكم في لبنان تشمل الرسميين وغير الرسميين؟

جلالة الملك: نعم التقيت فخامة الرئيس اميل لحود وكان اللقاء ممتازا، ولعل الخلفية العسكرية لكل منا سهلت التفاهم والتقارب.. كما كان اللقاء طيبا مع المسؤولين الاخرين.

الوسط: لوحظ ايضا ان علاقة تربطكم بالرئيس رفيق الحريري? وهو الان في المعارضة؟

جلالة الملك: العلاقة مع الرئيس الحريري سابقة وهي علاقة عائلية فقد كان احد ابنائه يدرس مع ابن عمي في اميركا وكنت هناك وحصل تعارف واستمرت العلاقة. هنا اريد ان اقول اننا لا نتدخل مطلقا في الشؤون الداخلية لاي دولة اخرى، وعلى هذا الاساس نقيم علاقاتنا.. ونحن لن نتأخر في تقديم اي دعم للبنان.

الوسط: هناك مخاوف في المنطقة من تصاعد موجة اليأس والأصوليات، هل لديكم مثل هذه المخاوف؟

جلالة الملك: فقدان السلام الحقيقي والعادل، وفقدان الامن والطمأنينة والاستقرار، والحرمان من العدالة والديمقراطية، وضياع الحريات وعدم احترام حرية الفرد وكرامته، كلها امور تؤدي الى اليأس والاحباط، وتكون مكانا خصبا للجوء الى العنف. ولكن المنطقة الان تشهد توجها نحو ازدهار الحريات، وتوفير الامن والرخاء، ولهذا فانني متفائل بان موجة الياس والتطرف التي تتحدث عنها ستؤول الى زوال باذن الله. وبالمناسبة، لا بد لنا من التفريق بين الاصولية والتطرف، فالاصولية بمعنى من المعاني هي العودة الى الاصل والجوهر والصفاء، ولذلك لا بد من التفريق بينها وبين التطرف او الانغلاق والتعصب.